محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب . القول في تأويل قوله تعالى : إن الله بالناس لرءوف رحيم . ويعني بقوله جل ثناؤه : إن الله بالناس لرءوف رحيم أن الله بجميع عباده ذو رأفة . والرأفة أعلى معاني الرحمة ، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة . وأما الرحيم ، فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها ، وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم . أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب ، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي . ولا تحزنوا عليهم ، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة ، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم ، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله . وفي الرؤوف لغات : إحداها رؤوف على مثال فعل كما قال الوليد بن عقبة : وشر الطالبين ولا تكنه * بقاتل عمه الرؤف الرحيما